سهيلة عبد الباعث الترجمان
339
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
مختلفة من الوحدة المطلقة ، أي الذات الإلهية المطلقة التي لا تقبل التكثر بحال ما ، فالواحد عنده ليس سوى هذه الذات الإلهية في اطلاقها وتجردها ، والعقل الأول ليس سوى هذه الذات ظاهرة بصورة القوة الناطقة المنبثّة في جميع الأشياء ، وقد أشار في الفصوص إلى ذلك . يقول : " إن اللّه خلق العالم وأوجده في أول أمره وجود شبح مسوّى ، كما يقول ، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس ، فالأمر كله منه ابتداؤه وانتهاؤه ، وهذا الفيض الأقدس وهو ما يسميه ابن عربي بالتجلي الذاتي الذي يرجع إلى استعداد الذات لإفاضة هذا الفيض على العوالم ، وهناك صورة أخرى لتجلي الذات والعالم تجليا راجعا إلى استعداد هذه العوالم لقبول ذلك الفيض وهو ما يسميه ابن عربي " بالتجلي الشهودي الأسمائي الذي هو بحسب استعداد المحل « 1 » . وعلى الرغم مما يراه البعض من عدم وجود فكرة منظمة عند ابن عربي لشرح العلاقة بين الحق والخلق كما هو في فيوضات أفلوطين أو تنزلات الجيلي ، فإنه يشير إلى هذا الفيض في كتابه فصوص الحكم إشارة واضحة إلى فيض الروح الإلهي على الموجودات لإيجادها بقوله : " ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوّى محلا إلا ويقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه « * » ، وما هو إلّا حصول الاستعداد من تلك الصورة
--> ( 1 ) حلمي ( محمد مصطفى ) ، ابن الفارض والحب الإلهي ، مرجع سابق ، ص 347 . ( * ) النفخ ، يشرح بالي أفندي النفخ فيقول : هو إعطاء القابلية والاستعداد لا بمعنى استخراج الهواء من الجوف النافخ وإدخاله في جوف المنفوخ فإنه محال على اللّه . فالعالم المسوى بدون الروح الإلهي كالمرآة غير الصقيلة ، وبالروح بمنزلة الصقيلة ، فكما أن المرآة بسبب جلائها تقبل صور من يحاذيها وتعطيها لصاحبها كذلك العالم بسبب قبول الروح الإلهي يقبل التجلي الدائم الذي هو ظهور عينه إليه في ذلك المحل ( بالي أفندي ، حل المواضع الخفية ، هامش شرح القاشاني ، ص 10 ) . أما القاشاني فإنه يرى أن معنى النفخ هو الظهور بتلك الصفة فما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسوّاة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال ، أي قبول الفيض الذي هو التجلي الدائم ، ( القاشاني ، شرح الفصوص ، ص 10 ) . أما أبو العلا عفيفي فيرى إنه من شأن الحكم الإلهي في الخلق أن يحصل التهيؤ والاستعداد في الأمر المخلوق فتفيض عليه روح من اللّه عبر عنها بالنفخ ، ولولا ذلك الاستعداد من المخلوق والتهيؤ لقبول الفيض الوجودي ما وجد ، ( أبو العلا عفيفي ، تعليقات على الفصوص ، ص . ص 7 - 8 ) .